القرطبي

256

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

المحدثين بإنكاره غباوة وجهلا ، وشهرة هذا الحديث أوضح من فلق الصبح وأجلى ، وقد رواه أبو عمر بن عبد البر في كتاب « الاستيعاب » فقال : حدّثنا سعيد بن نصر قال حدّثنا قاسم بن أصبغ قال حدّثنا محمد بن وضاح قال حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة فذكره بسنده المتقدم « 1 » . وروى أبو جعفر الطبري قال : لما خرجت عائشة رضي اللّه عنها من البصرة طالبة المدينة بعد انقضاء الحرب ؛ جهّزها علي رضي اللّه عنه جهازا حسنا ، وأخرج معها من أراد الخروج ، واختار عليها أربعين امرأة معروفات من نساء البصرة ، وجهّز معها أخاها محمدا . وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرّة رجب سنة ست وثلاثين ، وشيّعها عليّ رضي اللّه عنه على أميال ، وسرّح معها بنيه يوما « 2 » . فصل فإن قيل : فلم ترك عليّ الاقتصاص من قتلة عثمان ؟ فالجواب : إنه لم يكن وليّ دم ، وإنما كان أولياء الدم أولاد عثمان وهم جماعة : عمرو - وكان أسن ولد عثمان ، وعمّر - وإبّان وكان محدّثا فقيها ، وشهد الجمل مع عائشة ، والوليد بن عثمان وكان عنده مصحف عثمان الذي كان في حجره حين قتل ، ومنهم الوليد بن عثمان . ذكر ابن قتيبة في « المعارف » « 3 » أنه كان صاحب شراب وفتوة ، ومنهم سعيد بن عثمان وكان واليا لمعاوية على خراسان . فهؤلاء بنو عثمان الحاضرون في ذلك الوقت وهم أولياء الدم دون غيرهم ، ولم يتحاكم إلى عليّ أحد منهم ، ولا نقل ذلك عنهم ، فلو تحاكموا إليه لحكم بينهم إذ كان أقضى الصحابة ، للحديث المرويّ فيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وجواب ثان : أنه لم يكن في الدار عدلان يشهدان على قاتل عثمان بعينه ، فلم يكن له أن يقتل بمجرد دعوى في قاتل بعينه ، ولا إلى الحكم في ذلك سبيل

--> ( 1 ) انظر « الاستيعاب » ( 4 / 361 ) . ( 2 ) انظر « تاريخ الطبري » ( 4 / 544 ) . وفيه : « فخرجت على الناس وودّعوها وودّعتهم ، وقالت : يا بنيّ ؛ تعتّب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة ، فلا يعتدنّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك ؛ إنه واللّه ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ، وإنه عندي على معتبي من الأخيار . وقال عليّ : يا أيها الناس ؛ صدقت واللّه وبرّت ، ما كان بيني وبينها إلا ذاك ، وإنها لزوجة نبيكم صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا والآخرة » اه . أقول : فهل سيرعوي بعد ذلك هؤلاء الذين يسبّونها ويبغضونها ، ثم بعد هذا يدّعون حبّهم لآل البيت ؟ ! أم أنهم سيكذّبون أمير المؤمنين ويصدّقون أسيادهم ؟ ! فلا حول ولا قوة إلا باللّه . ( 3 ) ص : 202 .